محمد سعيد رمضان البوطي

25

فقه السيرة ( البوطي )

اللّه ثالث ثلاثة « سبحانه عما يقولون » ثم يبعث من بعده نبي آخر ليبلغهم بأن اللّه واحد لا شريك له ويكون كل منهما صادقا فيما بلغ عن اللّه تعالى . هذا عن العقيدة ، أما التشريع وهو سنّ الأحكام التي يتوخى منها تنظيم حياة المجتمع والفرد ، المفروض أن يكون للتطور الزمني ولاختلاف الأمم والأقوام أثر في تطور التشريع واختلافه ، بسبب أن أصل فكرة التشريع قائم على أساس ما تقتضيه مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم ، هذا إلى أن بعثة كل من الأنبياء السابقين كانت خاصة بأمة معينة ولم تكن عامة للناس كلهم ، فكانت الأحكام التشريعية محصورة في إطار ضيق حسبما تقتضيه حال تلك الأمة بخصوصها . فقد بعث موسى عليه السلام مثلا إلى بني إسرائيل وكان الشأن يقضي - بالنسبة لحال بني إسرائيل إذ ذاك - أن تكون شريعتهم شديدة قائمة في مجموعها على أساس العزائم لا الرخص ، ولما مرت الأزمنة وبعث فيهم سيدنا عيسى عليه السلام كان يحمل إليهم شريعة أسهل وأيسر مما كان قد بعث به موسى من قبل ، وانظر في هذا إلى قول اللّه تعالى على لسان عيسى عليه السلام وهو يخاطب بني إسرائيل : . . . وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . . . [ آل عمران : 50 ] . فقد بين لهم أنه فيما يتعلق بأمور العقيدة ، مصدق لما جاء في التوراة ومؤكد له ومجدد للدعوة إليه ، أما بالنسبة للتشريع وأحكام الحلال والحرام ، فقد كلف ببعض التغييرات وإيجاد بعض التسهيلات ونسخ بعض ما كانوا قد يعانونه من الشدة في الأحكام . وبناء على هذا : فإن بعثة كل رسول تتضمن عقيدة وتشريعا : فأما العقيدة فعمله بالنسبة لها ليس سوى تأكيد للعقيدة ذاتها التي بعث بها الرسل السابقون دون أي اختلاف أو تغيير . وأما التشريع ، فإن شريعة كل رسول ناسخة للشريعة السابقة إلا ما أيده التشريع المتأخر ، أو سكت عنه ، وذلك على مذهب من يقول : شريعة من قبلنا شريعة لنا إذا لم يرد ما يخالفها . ويتضح مما سبق أنه لا توجد أديان سماوية متعددة ، وإنما توجد شرائع سماوية متعددة نسخ اللاحق منها السابق إلى أن استقرت الشريعة السماوية الأخيرة التي قضت حكمة اللّه أن يكون مبلّغها هو خاتم الأنبياء والرسل أجمعين . أما الدين الحق فواحد ، بعث الأنبياء كلهم للدعوة إليه وأمر الناس بالدينونة له منذ آدم عليه السلام إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ألا وهو الإسلام .